مجمع البحوث الاسلامية
840
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أمّتي على تصوّر المعصية ، وإنّما يعاقب على عملها ، فلا منافاة بين الحديث والآية خلافا لمن توهّم ذلك ، ووقع في حيص بيص لدفعه . ولا يشكل على هذا أنّهم قالوا : إذا وصل التّصوّر إلى حدّ التّصميم والعزم يؤاخذ به ، لقوله تعالى : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ البقرة : 225 ، لأنّا نقول : المؤاخذة بالحقيقة على تصميم العزم على إيقاع المعصية في الأعيان ، وهو أيضا من الكيفيّات النّفسانيّة الّتي تلحق بالملكات ، ولا كذلك سائر ما يحدث في النّفس . [ ثمّ نقل الأقوال في النّسخ وقال : ] وجميع هذه الأقوال لا تخلو عن نظر ، فتدبّر . ( 3 : 64 ) رشيد رضا : ويصحّ أن تكون الآية متّصلة بآية الدّين من أوّلها ، لأنّه شرّع لنا أحكاما تتعلّق بالدّين كالكتابة والشّهادة ، فكأنّه يقول : إن تساهلتم في هذه الأحكام وأضعتم الحقوق ، فتظاهر تم بالأمانة مع انطواء النّفس على الخيانة ، وغالطتم النّاس وأكلتم أموالهم بذلك ، أو أضعتموها بكتمان الشّهادة ونحو ذلك ، فإنّ اللّه يحاسبكم ويعاقبكم على ذلك ، لأنّ له ما في السّموات وما في الأرض منها أنتم وأعمالكم النّفسيّة أو البدنيّة . أقول : وجعلها بعضهم متعلّقة بأحكام السّورة كلّها . والمراد بقوله : ما فِي أَنْفُسِكُمْ الأشياء الثّابتة في أنفسكم وتصدر عنها أعمالكم ، كالحقد والحسد وألفة المنكرات الّتي يترتّب عليها ترك النّهي عن المنكر . فإنّ السّكوت عن النّهي أمر كبير ، يحلّ اللّه عقوبته في الأمّة بسببه ، وليس هو مجرّد اتّفاق السّكوت ، وإنّما هو باعتبار سببه في النّفس وهو ألفة المنكر والأنس به ، وللإنسان عمل اختياريّ في نفسه هو الّذي يحاسب عليه . نعم إنّ الخواطر والهواجس قد تأتي بغير إرادة الإنسان ولا يكون له فيها تعمّل ، ولكنّه إذا مضى معها واسترسل ، تحسب عليه عملا يجازى عليه ، لأنّه سايرها مختارا وكان يقدر على مطاردتها وجهادها . وسواء كانت هذه الخواطر والهواجس صادرة عن ملكة في النّفس تثيرها ، أو عن شيء لا يدخل في حيّز الملكة . مثال ذلك الحسود تبعث ملكة الحسد في نفسه خواطر الانتقام من المحسود ، والسّعي في إزالة نعمته ، لتمكّنها في نفسه وامتلاكها لمنازع فكره ، وهذه الخواطر ممّا يحاسب عليها أبداها أو أخفاها ، إلّا أن يجاهدها ويدافعها ، فذلك ما يكلّفه . ومثال الثّاني : المظلوم يذكر ظالمه فيشتغل فكره في دفع ظلمه والهرب من أذاه ، وربّما استرسل مع خواطره إلى أن تجرّه إلى تدبير الحيل للإيقاع به ، ومقابلة ظلمه بما هو شرّ منه ، فيكون مؤاخذا عليها ، أبداها أو أخفاها ، وقد قال تعالى : . . . لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ * كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ المائدة : 78 - 79 ، وذلك أنّ فظاعة المنكر زالت من نفوسهم بالأنس بها من أوّل الأمر . وهكذا يقال في كلّ أعمال القلب الّتي أمرنا الشّرع بمجاهدتها ، ولا يدخل في هذا ما يمرّ في النّفس من الخواطر والوساوس ، كما قيل . وبنوا عليه أنّ الصّحابة رضي اللّه عنهم شقّ عليهم العمل بالآية وشكوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم